ضد الأبرتهايد قلبًا وقالبًا: الناشط يوناتان بولاك وحسرة اليسار الإسرائيلي

إنّ مقاومة الاحتلال ليست رأيًا، ولا وجهة نظر، وهي بالتأكيد ليست شعارًا. عمل الناشط السياسي يوناتان بولاك يفكك الفصل العنصري – ليس كنظام قانوني ورمزي، إنّما كعلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في واقع الحياة اليومي والملموس
إيلات معوز

 

يوم السبت الماضي، في طريقه إلى مظاهرة في غور الأردن، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية الناشط اليساري يوناتان بولاك. وهو الذي لا تزال لائحة الاتهام معلقة بحقه بتهمة إعاقة عمل ضابط شرطة أثناء أداء مهامه، وذلك خلال مظاهرة ضد الاحتلال والمستوطنات في منطقة بيت لحم عام 2017. تم اعتقاله لرفضه حضور الجلسات القانونية في هذه القضية، كما فعل أمام جميع لوائح الاتهام المتعددة المرفوعة ضده في السنوات الأخيرة. ومن المتوقع أن تُعقد الجلسة التالية في القضية في مايو/أيار المقبل، ومن المتوقع أن يظل يوناتان رهن الاعتقال حتى ذلك الحين، على الأقل.

أخبرته الصيف الماضي “في حال وقعت في الاعتقال بالمرة القادمة، سأكتب شيئًا عن ذلك. هذه المرة أعدك بأنني سأكتب”. فسألني “وماذا ستكتبين؟”، وكان متأملاً وضاحكًا حينها. أجبته بسخرية: “لا أعرف ربما سأكتب شيئًا ما عن قوة الإيماءات المثيرة للشفقة”. كانت نيتي المضحكة واضحة لكلينا. عرف يوناتان أنني أدعم، من حيث المبدأ، قراره برفض المثول أمام محكمة إسرائيلية مرة أخرى بسبب معارضته لنظام لا يُمنح فيه الحق في محاكمة عادلة للجميع على قدم المساواة. يعلم يونتان أيضًا أنني أقدّر رفضه العنيد لتطبيع الاحتلال في صفوف الجمهور الإسرائيلي. لكن وبدون مبالغة، فهِم أيضًا أن مُزاحتي تعكس بعض الحقيقة التي أصبحت شائعة في حيزنا، والتي بموجبها “لا يوجد حل” وأي عمل سياسي لا يتماشى مع التيار محكوم بالفشل أو التيه.

في السنوات الأخيرة، أجريت مع يوناتان عشرات المحادثات التي حللنا فيها الوضع السياسي. كلانا على علم، مثل معظم شركائنا في اليسار، أن القوى التي تناضل ضد الاحتلال قد تضاءلت بشكل كبير وأننا نعيش حالة من الاستحالة التاريخية. إن هجمات الجيش والأمن العام على النضال الشعبي الفلسطيني، الاعتقالات المتكررة لجميع المشتبهين بالمقاومة وحل القيادة الوطنية، جميعها قد حققت أهدافها. هذا إلى جانب تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والتأييد الواضح للاحتلال لدى غالبية مواطني إسرائيل. بالنظر إلى هذا الوضع، فإن الفعل الرمزي مثل رفض المحاكمة والسجن، يبدو وكأنه لفتة فارغة. ربما يكون هذا أمرًا مثيرًا للإعجاب، ولكنه في الغالب عديم الفائدة.

فلماذا يحتاج يونتان إلى هذه التضحية الآن، في هذا الوقت، حيث لا توجد حتى حركة سياسية تجعل لعمله الفردي صدى أو معنى واسع النطاق؟

مثل العديد من محبي يوناتان، لم أكن أعتقد أنني سوف أستطيع ثنيه عن موقفه ولم أحاول القيام بذلك. في الوقت نفسه، بصفتي شخصًا على دراية بالأسعار الباهظة التي يدفعها مقابل نشاطه الكبير وطويل المدى، كنت أيضًا قلقةً جدًا لأجله. كنت أعلم أن احتجازه لفترة طويلة من شأنه أن يؤدي إلى تدهور حالته الصحية، وربما سيكلفه ذلك فقدان وظيفته وربما قدرته في الحصول على لقمة العيش مستقبلًا. فلماذا يحتاج يونتان إلى هذه التضحية الآن، في هذا الوقت، حيث لا توجد حتى حركة سياسية تجعل لعمله الفردي صدى أو معنى واسع النطاق؟ في الواقع، في المرة الأخيرة التي قُبض فيها على يوناتان لرفضه المثول أمام المحكمة، بسبب شكوى جنائية رفعت ضده من قبل المنظمة اليمينية “عاد كان” (עד כאן)، التزم اليسار الإسرائيلي، في الغالب، بالصمت. لم يخرج أحد في حملة تضامن، وخصص القليلون وقتهم لكتابة منشور على فيسبوك. من جانبه، لم يسع يوناتان إلى التقديس كشهيد أو إلى التباهي ببطولة خارقة. على العكس من ذلك، فهو لا يوافق بشدة على مثل هذا الموقف، مما يجعل من عمله شيئًا ساميًا وغير اعتيادي.

 

يوناتان بولاك في المحكمة في القدس، كانون أول/يناير 2020 (أورن زيف – أكتيفستيلز)

من ناحية أخرى، بعد وقت قصير من اعتقاله، بدأت تتدفق إليه عشرات رسائل الدعم من الفلسطينيين من جميع أنحاء البلاد وخارجها. كتبت له النساء وكتب له الرجال، منهم الكبار ومنهم الصغار، من يعرفه ومن لا يعرفه، كتبوا له وأخبروه بأنهم متحمسون جدًا لعمله وأنهم يقفون إلى جانبه. فوق كل التحليلات العلمية المتعمقة، المناقشات حول القوّة السياسية وشروط الاحتماليات، رأى أولئك جميعًا أن نشاط يوناتان هو بالضبط ما هو عليه: عمل يفكك الأبرتهايد ليس كمنظومة قانونية ورمزية ولكن كعلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الحياة اليومية والعينية. رأوه كنشاط ينتج علاقة مختلفة، أكثر مساواة، في واقع لا يطاق.

اعتدنا أن نوهم أنفسنا بأن العدالة هي رؤية لا يمكن تحقيقها إلا في المستقبل، عند استيفائنا لشروط التغيير الشامل للنظام. بهذا الأسلوب، نعايش حالة فصل مريحة ومحمية بين الأشياء التي نؤمن بها والطريقة التي نعيش بها

في الأشهر الأخيرة، بدأت أصوات بارزة في اليسار اليهودي والعالمي في استخدام مصطلح الفصل العنصري “أبرتهايد”، بغرض وصف النظام في إسرائيل. ومن المفارقات أن التصور المفاهيمي الدقيق يتم صقله بدقة في وقت يكون فيه النضال ضد الاحتلال في أدنى مستوياته. هذا أمر يثير الشك في أن التصريحات الراديكالية أتت لتحجب وحتى لتبرر التقاعس المستشري عن العمل، بحيث أن من يفعل القليل عليه أن يصرخ بصوت أعلى بأنه على حق. في الواقع اعتدنا أن نوهم أنفسنا بأن العدالة هي رؤية لا يمكن تحقيقها إلا في المستقبل، عند استيفائنا لشروط التغيير الشامل للنظام. بهذا الأسلوب، نعايش حالة فصل مريحة ومحمية بين الأشياء التي نؤمن بها والطريقة التي نعيش بها، مع وجود الفجوة الآخذة بالاتساع بينهما.

في إحدى محادثاتنا أخبرني يوناتان بأنه: “لا يمكننا أبدًا معرفة ما سيحدث في المستقبل، ولا أهمية لهذا الأمر. لذلك في السياسة لا ينبغي للمرء أن يكون متفائلًا أو متشائمًا، فهذان الموقفان لا قيمة لهما”. بالنسبة ليوناتان، فإن معارضة الاحتلال ليست رأيًا، وليست نظرة للحياة، وبالتأكيد ليست شعارًا. ولا تنتهي بمواجهة صريحة أمام “الدولة” أو “النظام” وكأنهما كيانان مجردان، يعملان بمعزل عنا وحتى ضدنا. يشير يوناتان في عمله ورفضه النشط إلى أن الفصل العنصري ليس مجرد وضع قانوني بل أسلوب حياة نعيشه بأنفسنا. وهو أسلوب حياة من الممكن تفكيكه بطريقة وحيدة هي أن تختار، كل يوم وفي كل مرة من جديد، طريقة مختلفة للحياة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.