الأمهات الثكلى يكسرن حاجز الصمت

مظاهرة “أمهات لأجل الحياة” اليوم في تل أبيب تنقل النضال بوجه العنف والجريمة إلى قلب العاصمة الاقتصادية لإسرائيل. خطوة معنوية أخرى نحو تصعيد النضال للمطالبة بالحقوق والتعامل المنصف مع المواطنين العرب
ياسر أبو عريشة

 

يصعب على المرء أن ينظر إلى واقع المجتمع العربي وان يرى النور في نهاية النفق، فالسنوات الأخيرة حصدت أرواح أكثر من ألف مواطن عربي بفع العنف والجريمة وفقد الكثيرون الشعور بالأمن الشخصي، هذا بالإضافة إلى تدنّي الخدمات للمواطن وارتفاع مستويات الفقر والبطالة في المجتمع العربي. إلا أنّ حراك “أمهات من أجل الحياة” من شأنه أن يبعث بصيص أمل في إحداث التغيير المنشود في تحسين ظروف الحياة للمواطنين العرب، خاصة في مجال القضاء على الجريمة ومناهضة العنف ورفع سقف الخدمات للمواطن في التجمعات السكنية العربية في البلاد.

إذ يقيم حراك “أمهات من أجل الحياة” اليوم 18.3.2021 مظاهرة حاشدة في تل أبيب تشارك فيها عدة جهات وحراكات اجتماعية وسياسية – عربية ويهودية. وتأتي هذه المظاهرة المزمع إقامتها في ميدان رابين، بعد سلسلة من النشاطات التي نُظمت بهدف إحداث تغيير في تعامل السلطة مع ملف العنف والجريمة وتهميش المجتمع العربي، كان أبرزها مسيرة الأمهات الثكلى التي خرجت من حيفا ووصلت إلى القدس في شهر آب/أغسطس من العام المنصرم، وقطعت الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن كل المسافة بين المدينتين سيرًا على الأقدام في قيظ الصيف، حيث كانت الوجهة الأخيرة منزل رئيس إسرائيل، رؤوفين ريفلين.

إحدى الناشطات في الحراك هي السيدة وطفة جبالي (أم شوكت)، التي فقدت ابنها سعد (26) أواخر عام 2018 في جريمة قتل. وقد استمعت اليوم إلى مقابلة لها عبر الراديو مع الصحفي يوسف شداد، تحدثت فيها عن مأساتها الخاصة وعن رؤيتها لإمكانية تحقيق غد أفضل عبر استمرار النضال والتعاون مع المجتمع المدني. واستطاعت السيدة أم شوكت بصدقها وبقوة عزيمتها أن تجعلني أؤمن بأهمية استمرار هذا الحراك وضرورة دعمه كركيزة في مجمل النضال للمواطنين العرب لتحقيق العدل والمساواة والاعتراف بحقوقهم أجمع. فبعد مقتل ابنها سعد بعدة شهور، فقدت السيدة وطفة ابنًا اخر، محمد، الذي توفي بفعل المرض، فكانت مصيبة أم شوكت مزدوجة وثقيلة على القلب، إلا أن هذا لم يثنها عن طريقها واستمرارها في العمل لأجل أولئك الذين لا زالوا أحياءً ولوقف حمام الدم.

المرحوم سعد جبالي (صورة عائلية)
المرحوم سعد جبالي (صورة عائلية)

هذه المظاهرة اليوم هي مظاهرة أخرى تنضم إلى حراك آخذ بالاتساع في صفوف المجتمع العربي، مع دخول عدد أكبر من المواطنين والمواطنات في النشاط المباشر للنضال ضد تقاعس الحكومة والشرطة في التعامل مع آفة العنف والجريمة. فالحراكات المحلية المختلفة تصدرت الفعاليات والنشاطات عبر قوى شبابية تأتي من كافة الطيف الاجتماعي والسياسي في المجتمع العربي، وهي تدعو للعمل بشكل سلمي لأجل إحداث تغيير واسع النطاق في الحدّ من تخاذل السلطة وسياساتها العنصرية ضد العرب في البلاد.

وتاتي مظاهرة اليوم وسط أمل وترقب لحضور أعداد كبيرة تعبر عن مدى عمق الألم الذي أعيانا في المجتمع العربي وسرق منا الأمل والقدرة على أن نحلم بغد أفضل. نعم، لا شكّ أن الناس تعبوا من التظاهر والاحتجاج، ويؤمن الكثيرون بأنه لم يعد أداة فعالة وناجعة لأجل نيل الحقوق، ولكن من الواجب أن نتذكر بأن التغيير لا يحدث والناس جالسون في كراسيهم وكنباتهم، بل يحدث حين يخرجون إلى الحيز العام بصرخة ضدّ الظلم وانعدام العدل والمساواة، ومن هنا تأتي أهمية المشاركة في هذه المظاهرة اليوم.

هذا النهج الذي تتبعه الحكومات الإسرائيلية والذي تعاظم في العقدين الأخيرين أدى إلى تفكك النسيج المجتمعي العربي وبالتالي إلى ارتفاع مؤشرات العنف والجريمة والفقر إلى جانب تدهور الجهاز التربوي

مجتمعنا العربي الفلسطيني في البلاد يعاني الأمرين بفعل السياسات والقوانين العنصرية المهمشة التي تفرضها علينا السلطات الإسرائيلية. هذا النهج الذي تتبعه الحكومات الإسرائيلية والذي تعاظم في العقدين الأخيرين، حيث تم سن القوانين العنصرية والتعامل بشكل غير منصف مع العرب في الميزانيات والمرافق، أدى إلى تفكك النسيج المجتمعي العربي وبالتالي إلى ارتفاع مؤشرات العنف والجريمة والفقر إلى جانب تدهور الجهاز التربوي وتردي البنى التحتية لدى العرب. وبعد أن وصلنا إلى هذا الحضيض، لم يعد أمامنا سوى استمرار النضال السلمي والاحتجاج لإسماع صوتنا مع ضعفنا وقلة حيلتنا.

إن المشاركة في مظاهرة اليوم هي تعبير صارخ وواضح عن أن المجتمع العربي لن يسكت حيال تخاذل المؤسسة وتوانيها عن التعامل بالجدية اللازمة مع حق الناس بالحياة وحقهم بالعيش بأمان وكرامة في ظل نظام عادل، وإنما هي لبنة أخرى في بناء المواطنة الفعالة والنشطة التي لا تهاب المطالبة بحقوقها الطبيعية التي هي ليست منة من أحد مهما كان. فالواجب اليوم هو الوقوف إلى جانب أم شوكت وزميلاتها المناضلات لأجل الحق في الحياة بأمان وسلام في قرانا ومدننا، وأن تكون هذه وقفة إنسانية لا يفرقها عرق، أو دين أو جنس، بل يجمعها الوعي بأن الناس سواسية في مطلبهم للكرامة والحرية والعدل.

 

أمهات من أجل الحياة | تل أبيب | ميدان رابين

18.3.2021 ابتداءًا من الساعة 19:00

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.