الامتناع عند المقدرة: مجتمع الداخل يحجب ثقته عن ممثليه

لا يزال هول الصّدمة من نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة يلازم السياسيين والنشطاء في القائمتين العربيتين، الموحدة والمشتركة. على القيادات الحزبية والمجتمعية النظر إلى النتائج بقلق والعمل على رصّ الصفّ في السعي لتحصيل الحقوق وإنهاء مظاهر العنصرية
ياسر أبو عريشة

 

بالنسبة للكثير من المواطنين العرب في إسرائيل، كان يوم 23 آذار بمثابة يوم التثاؤب العالمي، ربما هو مزيج من تثاؤب الملل مع تثاؤب الراحة. فبينما كانت الأحزاب العربية تستجدي الناس للخروج للتصويت لأنها “على الحفّة”، فضّل أكثر من 50% من أصحاب حق التصويت العرب أن يمكثوا في بيوتهم وقضاء بعض الوقت مع العائلة أو في الترفيه عن النفس بعد عناء عام كامل من الإغلاقات والضربات المادية والمعنوية. ولكن عدول هذا الكم الهائل من الناس عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، متجاهلين تمامًا نداءات الاستغاثة التي أطلقها السياسيون والنشطاء عبر منصات التواصل، لم يكن محض الصدفة، بل كان هبة جماعية واعية وجامعة، لقّن فيها الجمهور الأحزابَ العربية درسًا قاسيًا في الديمقراطيّة.

فالامتناع وعدم الانتخاب هو أيضًا خيار. ففي البرلمان الإسرائيلي الذي يتراكض نحوه النواب العرب، يتم التصويت على القوانين وسنها ديمقراطيًا، وذلك بموجب ثلاثة خيارات: مؤيّد، معارض أو ممتنع (أو غائب عن الجلسة). وفي هذه الدورة الانتخابية، اتخذت الجماهير تكتيكًا ديمقراطيًا في الامتناع، فغاب أكثر من نصف الناخبين والناخبات العرب عن مراكز الاقتراع متنازلين عن حقهم في الانتخاب، وفي هذا وجّهوا رسالة واضحة إلى الأحزاب العربية وقياداتها بأن الجماهير غير راضية عن ما يجري في الساحة السياسية، وبأنّ أداء الأحزاب وممثليها لا يروق لشريحة واسعة من الناخبين المحتملين لهذه الأحزاب.

رؤساء الأحزاب في القائمة المشتركة، د. أحمد طيبي، أيمن عودة وسامي أبو شحادة (موقع حزب التجمع)

بطبيعة الحال ليس جميع من رفضوا المشاركة في الانتخابات هم من داعمي فكرة العمل البرلماني كأداة لتحصيل الحقوق، فالكثير من الممتنعين يرفضون المشاركة في الانتخابات لأسباب أيديولوجيّة ولن يصوتوا للكنيست الصهيوني حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، إذ أنّ عدًدا كبيرًا منهم ينتمون إلى التيار الشمالي للحركة الإسلامية الذي يقوده الشيخ الأسير رائد صلاح، كما أنّ هنالك نسبة قليلة أخرى غير محزّبة تمتنع أيضًا عن التصويت. ولكن المعطيات من جولات انتخاب سابقة تشير إلى أنّ غالبية المواطنين العرب يعتقدون بأنّ العمل البرلماني مهم. بيد أنّ شريحة واسعة من مجمل الممتنعين في الدورة الحالية قررت أن تعاقب ممثليها، بعد أن شعر الناخب بأن صوته قد أهدِر في الجولة الانتخابية السابقة عام 2020، حين أوصت المشتركة على الجنرال بني غانتس لتولّي مهمة تشكيل الحكومة، إلا أن هذا الأخير ضرب بتوصيتها عرض الحائط.

ولم تتأخّر المعطيات المثبتة بالوصول لتبرهن مدى الاستياء الذي يشعر به الناخبون العرب من الأحزاب. إذ تراجع عدد المصوتين العرب للقائمتين العربيتين المتنافستين في الانتخابات الأخيرة من حوالي 580 ألفًا عام 2020 إلى ما يقارب الـ – 380 ألفًا هذا العام، وهو هبوط حاد بنسبة 35%، ما يُشكّل ضربة قاسية للأحزاب العربيّة التي حصلت على نسب متدنية من الدّعم. وتعبّر هذه المقاطعة الواسعة – أكثر من 50% – بالأساس عن عدم ثقة الناخب العربي بممثليه عن القائمتين: المشتركة والموحدة، فبالرغم من نجاحهما في تجاوز نسبة الحسم، استطاعت القائمتان معًا جذب أقل من ثلث من عدد الناخبين الإجمالي في المجتمع العربي في الداخل من أصل ما يُقدّر بمليون وثلاثمائة ألف ناخب محتمل.

هل سيُقْدِم قادة الأحزاب على النظر بشجاعة إلى المرآة، والاعتراف بأنّ هنالك خلل ما في منظومة العمل الحزبي؟

هذا الفشل الذريع للطبقة السياسية العربية في إسرائيل هو مدعاة لإعادة النظر بصدق في الحسابات الحزبية، ويستوجب مراجعة شاملة لأساليب تحقيق المكاسب السياسية والحقوقية برلمانيًَا لمصلحة قضايا الجماهير العربية برمّتها. ولكن هل سيُقْدِم قادة الأحزاب على النظر بشجاعة إلى المرآة، والاعتراف بأنّ هنالك خلل ما في منظومة العمل الحزبي؟ وهل سيستطيعون تشخيص المشكلة الّتي تنفّر فئات واسعة من الناس وتولد لديهم اللا مبالاة وعدم الاكتراث؟ ربّما، ولكن طالما أنّ الأحزاب التقليدية لا تزال تتخطى نسبة الحسم، فإنّها على ما يبدو لن تغيّر من نهجها ولن تجلب طرحًا جديدًا للجماهير، بل وقد تستمرّ في اختلاق الخلافات بينها بدلاً من بناء خطط عمل واضحة لكيفية قلب موازين الخارطة السياسية والمشاركة كلاعب يدخل إلى الساحة “بعين قويّة”.

منصور عبّاس، رئيس القائمة العربية الموحدة (مكتب الناطق باسم الكنيست)

إحدى العبر المستفادة من هذه الجولة الانتخابية هي أنّ الناخب العربي والناخبة العربية قالوا صراحة: “لا! لسنا في جيب أحد”، على غرار مقولة النائب د. منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة، الذي صرّح مرارًا بأنه ليس في جيب اليسار أو اليمين، وها هو الآن يقف بين معسكري اليمين واليسار محتفظًا بأوراقه بعد حصول قائمته على أربعة مقاعد بموجب الإحصاءات النهائية. وبهذا الرفض يعبر مئات الآلاف من العرب عن مدى ارتفاع سقف المطالب من الجهات السياسية، وعلى رأسها إيجاد معادلة يتم فيها إحداث تغيير جذري في التمثيل العادل في الحياة السياسية لشرائح المجتمع المتنوعة، المنتمية منها حزبيًا وتلك التي لا تجد لها بيتًا سياسيًا في الإمكانيات المطروحة. هذا بالطبع إلى جانب السعي لتحقيق مواطنة متساوية، تتمثّل في إجراء إصلاحات شاملة في جميع المرافق الحياتية للمواطنين العرب، كالتربية والتعليم، محاربة الجريمة والعنف، فرص العمل، البنى التحتية، الأراضي، البناء ومحاربة الفقر والبطالة.

إنّ المجتمع العربي في الداخل هو شعوب وقبائل وآراء، قد نختلف في الملل، والتوجهات السياسية، وقد نتفاوت فيما بيننا بالقناعات والاعتقادات، وهو تنوّع مجتمعيّ مميّز في بقعة أرض صغيرة ومتنازع عليها. فأهل فلسطين العرب، الذين صمدوا في وطنهم عقب النكبة وفي ظلّ قيام دولة إسرائيل داخل الخط الأخضر، تم وضعهم منذ البداية في الهامش حين صنفتهم دولة إسرائيل منذ البداية كمواطنين “صنف ب”، فزجّت بهم في غيتوهات الحكم العسكريّ ما بين 1948-1966، وسلبتهم الأراضي في يوم الأرض عام 1976، قمعتهم بالنار عام 2000، وطمست هويتهم الوطنية في قانون القومية عام 2018. وفي هذه النقاط التاريخية، لم يفرق الحاكم بين إسلامي وشيوعي، ولا قروي أو مدني، ولا بين بدوي أو حضري أو غير ذلك، ولم يسأل أحدًا منا إن كان يدعم حقوق مجموعة الميم أم أنهم مجرّد شواذّ بنظره. والخلاصة أننا جميعًا نقف أمام منظومة تعاملنا كضيوف في وطننا، فإمّا أن نعمل كقلب واحد لتحصيل حقوقنا، وإما أن نبقى مشتتين أبدًا، نتلقّفُ من السلطان فتاتًا من الحقوق بين الوهلة والأخرى، يحتضننا حينًا ويركلنا في حين آخر كيفما شاء.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.