تسلسل زمني لتحول رجعي معروف مقدمًا

لا يمكن الحديث عن غزة كأن لم يكن هناك شيء قبل 7 أكتوبر، لا يمكن إنكار السياسات الاستعمارية لإسرائيل، وكل ذلك لا يتناقد مع إدانة المذبحة والدعوة لوقف العنف وبلورة حل سياسي، يصيغ توم مهجير التعقيدات الآنية
توم مِهَجير

ترجمة: محمد حسني

في ظل الأحداث الرهيبة للأسابيع الاخيرة، تطور حوار عام رجعي، يسعى إلى القضاء نهائيا على القيم والنضالات الناشطة ضد السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، مهم أن نفهم كيف يصبح هذا الحوار، في نهاية اليوم، مؤيدا لاستمرار الحرب في قطاع غزة، وللسياسات المعادية للديموقراطية بلا ريب.

في الأيام التالية للمذبحة التي ارتكبتها حماس، صدرت تصريحات جازمة، وَصَمَت كل من تجرأ ألا ينصاع فورا لأمر إدانة الأحداث بلغة معينة أو  حاشا لله، أن يعرب عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني في غزة إزاء الهجوم الضاري المنتظر من جانب إسرائيل. وفيما بعد، وبدرجة أشد، ركز النقاش على ردود أفعال “اليسار العالمي”- مظاهرات الجامعات، عرائض الفنانين،  منشورات فيسبوك لناشطين/ـات بالخارج…. إلخ، الذين لم يعربوا عن صدمتهم بشكل  ملائم، في نظر الناقدين الإسرائيلييين، من مذبحة يوم السبت.

الآن يأتون؟

يجب أن ننتبه أنه في معظم الحالات اننا نتحدث عن كتاب/كاتبات الذين شرعوا في النشر المحموم لمحتوى عن أحداث غزة، بعد السبت الملعون وحسب، لكنهم جميعا لم يعربوا في الماضي عن السياسات الإسرائيلية الإجرامية تجاه غزة وسكانها. حتى 7 أكتوبر، فإن الحصار القاسي لغزة والمذابح المتكررة التي ترتكبها إسرائيل هناك ، فلم تشغل بالهم مطلقا. نعم صحيح، سيقول الكثيرون منهم باقتضاب إنهم “ضد الاحتلال”، لكنهم لم يدعموا المعارضة الحادة للقبضة العسكرية على الشعب الفلسطيني في صورة رفض الخدمة العسكرية، تأييد المقاطعة الدولية، محاكمة الضباط  الكبار  الذين “اعادوا غزة للعصر الحجري”..وما إلى ذلك

 

إن كان الأمر كذلك، مطالبة المستفيقين الجدد بدء مناقشة الفظائع في قطاع غزة، وبشكل  عام، السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، من نقطة محددة بدقة في الوقت الذي سقطت فيه طوائف يهودية ضحايا لأعمال القتل، ولكن دون إحصاء، حرفيا، للضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة. بينما مئات الأسر الفلسطينية تدفن تحت أنقاض القصف الوحشي عديم التمييز- وكما نعرف إنها بالنسبة للجيش الإسرائيلي مجرد “شكة دبوس”* فلم نسمع منهم ولو بنت شفة. ولكن عندما انقلب الحال، دعينا جميعا للامتثال أمام راية الشجب.

من المهم أن نؤكد، إن هذا  النقاش يجري بينما الدولة ومؤسساتها تحظر على أحد الأطراف، خاصة لو كانوا مواطنين عرب، أن يعبروا عن موقفهم في الموضوع.

بدأ ذلك في الأسبوع التالي للسبت الملعون، عندما قرر رئيس جامعة حيفا، بروفيسور جور إلروئي، فصل طلاب عرب وأمر بطردهم من السكن الجامعي، بمزاعم باطلة، ودون صلاحية قانونية من جانبه. أيّد قسم من “منتقدي اليسار” بنشوى الإجراء الفاشي، بينما الاساتذة الذين/اللاتي عارضوا الإجراءات غير القانونية لـ إيلروئي فقد وُصموا بسرعة كـ”مؤيدين للإرهاب” أما مجلس التعليم العالي برئاسة وزير التعليم يوآف كيش، فقد طلبت من الجامعات في البلاد، موافاتها بتقارير عن التحقيق في أي شكوى ضد طالب عربي، وردا أعلنت لجنة رؤساء الجامعات أنهم لن ينفذوا هذه التعليمات، لأنه تثير جوا مكارثيا (من التخوين) والوشايات متبادلة في الحرم الجامعي.

وفي السياق نفسه، مَوجة فصل لمواطنين عرب دون ذنب اقترفوه، اعتقالات زور، إلغاء مؤتمر عربي-يهودي دعت إليه لجنة المتابعة خلال  تهديدات من جانب الشرطة لأصحاب القاعة التي كان يفترض أن تستضيف الفعالية،

وإلغاء الحق في التظاهر باعتراف صريح من القائد العام للشرطة. وفي كلية نتانيا، انطلقت حشود نحو السكن الجامعي هاتفين “الموت للعرب”، وأصدرت رئيسة المدينة تعليمات بإخلاء الطلاب من سكنهم.

أصحاب الذوق الرفيع أنفسهم، الذين يخشون بشدة من التصريحات غير الملائمة في إسرائيل والعالم، لم ينتبهوا إلى أنهم يتحدثون بحرية ويتحدثون كثيرا، وعندما تغيرت قوانين اللعب أمام أعيننا: فإن المواطنين الآخرين، الذين يفترض أن نجري معهم الحوار العام، محظور عليهم ببساطة  أن يتكلموا.

بلغ الأمر الحد أن كُتاب مختلفين، لم يهتموا ابدا، ولم ينشطوا في سياق الاستعمار في إسرائيل، أصبحوا في لحظة متخصصين في هذا المجال.  وأنا أتأمل لمذا في هذا التوقيت السيء، وجدوا أنه من الصواب أن يبددوا الكثير من الكلمات وصفحات من وجهات النظر لم تشغلهم في الماضي ولا سابقة معرفة لديهم بالموضوع؟ والإجابة المحتملة إنهم بدلا من أن يقرروا اين يقفون من الناحية الأخلاقية تجاه الحرب والموجة المعادية للديموقراطية في البلاد، فإنهم يفضلون الانشغال بخبايا اليسار العالمي وما إلى ذلك.

أنحن مستعمرون؟

لهذا الموضوع في حد ذاته، يجب أن نستهل النقاش بالتعريف الأكاديمي لمصطلح “استعمار-colonialism) من خلال الكتاب الهام لـ يوآڤ پلد وجرشون شاپير “من هو الإسرائيلي- ديناميكية الجنسية المعقدة”: كل مجتمع جديد يقام بواسطة (جرعات متفاوتة) من السيطرة العسكرية، استيطان أراضي، واستغلال أو تشريد جماعات من المواطنين الأصليين، ويدعي المستوطنين فيها حق الأولوية أو التفوق الحضاري لكي يبرروا أعمالهم”.

ربما كان من الممكن التوصل إلى السلام على أساس إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، دون سفك دماء. وكذا حل “الصندوق القومي الإسرائيلي” المؤسسة التي تسيطر على أراض كثيرة ولا تبيعها سوى لليهود، يمكن أن تبدأ عملية تصفية-الاستعمار.

كتب حاييم ليڤنسون وعوفري إيلاني، على سبيل المثال، في صحيفة هآرتس، في عدد نهاية الأسبوع نفسه،  نقدا ضد الموقف الذي يرى إسرائيل دولة استعمارية. لكن في تحليلاتهما لا يتطرقا إلى السياسات الإسرائيلية التي تعمل على طرد الفلسطينيين  وتجريدهم من أراضيهم، هدم القرى والبيوت، مصادرة الاراضي، احتلال وحكم عسكري عُمره من عُمر الدولة، تهويد البلاد وغيرها. أو باختصار، ممارسات وسياسات استعمارية. البحث في هذا الشأن، وكذلك أنشطة جمعيات ومنظمات مختلفة، يقدمون معرفة واسعة بالاستعمار والصهيونية، لكن الواضح أن ليڤنسون وإيلاني لا يعرفون تلك المادة العلمية أو يفضلون تجاهلها.

هكذا، مثلا، ينتقد ليڤنسون عمود چوديت باتلر ويزعم أنه لا يمكن إدانة المذبحة التي ارتكبتها حماس، وفي المقابل الزعم أن إسرائيل دولة استعمارية. لماذا لا يمكن؟ منظمة “بتسيلم”، كنموذج، أدانت بعبارة صريحة المذبحة، وفي الماضي قد نشرت رؤيتها أكدت فيها أن نظام حكم الاستعلاء اليهودي من البحر إلى النهر الذي تمارسه إسرائيل، هو بمثابة فصل عنصري “أپارتهيد”. فلدول الاستعمارية قد مرت بأحداث عنيفة قاسية ورهيبة، لكن العنف في حد ذاته لم يمنع العناصر الديموقراطية من نقد جوهر وطابع النظام الحاكم، والدعوة لإنهائه.

الإدانة، الفهم، وقف العنف

يزعم إيلاني في عموده إن معنى تصفية-الاستعمار  هو أن “المستوطنين الاستعماريين يجب إبعادهم”. وهذا ليس صحيحا بالضرورة. ويخضع ايضا لمسئولية  القوة المحتلة عن إنهاء الحكم العسكري. لو كانت دولة إسرائيل قد  استجابت لمبادرة السلام السعودية/ مثلا، لكان من الممكن أن نصل لاتفاقية سلام على أساس دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، دون سفك دماء. وكذا حل “الصندوق القومي الإسرائيلي” المؤسسة التي تسيطر على أراض كثيرة ولا تبيعها سوى لليهود، يمكن أن تبدأ عملية تصفية-الاستعمار. وثائق رؤية المجتمع العربي في إسرائيل، التي نُشرت منذ 20 عام تقريبا، تطرح رؤية المساوة لكلا الشعبين. اقتراحات لعملية تصفية الاستعمار مطروحة أيضا، لكن إسرائيل لم تفكر أبدا مناقشتهم بجدية.

لقد ذكرني عمودي إيلاني وليڤنسون  بمواقف في مجموعات حوار ثنائي-القومية، والتي  كانت تشعر المجموعة اليهودية خلالها أحيانا أن مطالبة الفلسطينيين بالمساوة بمثابة فعل عنيف ضدها. لقد اعتاد الجمهور اليهودي على الاستعلاء تجاه للفلسطينيين، حتى أن إمكانية حل المؤسسات التي شكلت الاستعلاء وتدعمه، يعتبرها عدائية.  وهي أمور معروفة كذلك من النضال النسوي والشرقي من أجل المساواة، عندما يخشى الطرف الأقوى من “فقد مكتسباته”.

وعلى ذلك، يمكن، بل يجب إدانة مذبحة السبت، 7 أكتوبر، وفي المقابل الإشارة إلى أنها ارتكبت في سياق حصار قاسٍ فرضته إسرائيل على قطاع غزة، نوع من المعازل وربما أسوأ منها. ويمكن ويجب القول أن التاريخ يعلمنا أن الحكم العسكري والسياسات المتواصلة من طرد شعب أصلي وتجريده من ممتلكاته  تخلق دائما تقريبا  عنف أشد،  بالتأكيد عندما يرفض الطرف المحتل أن يتحمل المسئولية وأن يسعى لإنهاء السياسات العنصرية. والأهم: يجب الدعوة في وقتنا هذا  إلى صفقة لإطلاق سراح الأسرى/الأسيرات، والمخطوفين/ـات، ووقف الحرب التي لن تجلب لنا أي أمان، والسعي لتسويات على أساس المساواة والكرامة لكلا الشعبين.

*شكة دبوس: التعبير في النص الاصلي מכה קלה בכנף خبطة خفيفية في الجناح a light bump to the plane: أصل التعبير في تصريح لرئيس الأركان دان حالوتس، في 2002، عندما قصفت إسرائيل منزل صلاح شحادة القيادي في حماس وقتلت 14، من بينهم أطفال، وعند مسائلة حالوتس عن شعوره تجاه ذلك، رد بالعبارة السابقة خبطة خفيفة بالجناح جراء إطلاق القذيفة. ومن هنا انتشر التعبير للسخرية من الاستخفاف من فداحة النتائج.

רצועת עזה
הפגזות צה”ל ברצועת עזה, 28.10.23. צילום: יוסי זמיר, שתיל סטוק
وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.