"النصر المطلق" هو حل نهائي

يجد كثيرون صعوبة في فهم تحركات نتنياهو في الأشهر الأخيرة. وبحسب عمري بن يهودا، ففي جذر “الانتصار المطلق” يكمن حل جذري لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، الذي يرتكز على مفهوم إمبريالي صيغت بذوره في “صفقة القرن” لإدارة ترامب
عمري بن يهودا

من الشائع الاعتقاد بأن مسيرة بنيامين نتنياهو المهنية مرتبطة بأمور شخصية تتعلق بتاريخ عائلته، خاصة فيما يتعلق بوالده بن تسيون وشقيقه الأكبر يوني. وفي كلتا الحالتين، من المعتاد تفسير أفعال الابن الثاني الواعدة على أنها ناشئة عن شعور بالانتقام الشخصي. وفي حالة الأب، فإن مكانة بن تسيون هامشية في مجال التأريخ الصهيوني، إما كرجل سياسي يميني دُفع إلى هامش الليكود تحت نجم مناحيم بيغن الساطع (البولندي الشعبي مقيت نفسه)، وإما كرجل أكاديمي الذي دُفِعَ إلى هامش الأكاديميا الإسرائيلية واضطر إلى العثور على وظيفة في الولايات المتحدة بعد أن رفضته المؤسسة الأكاديميا في إسرائيل. وفي حالة والده، يستمد نتنياهو طاقته التي لا تنضب من الضغينة ضد المؤسسة الإسرائيلية لليسار الصهيوني وما يسمى اليوم “اليمين الرسمي”: هؤلاء هم أولئك الذين وصفهم عالم الاجتماع باروخ كيمرلينج بأحوسليم—الأشكناز (أشكنازيم) والعلمانيون (حيلونيم)، والقدامى (وتيقيم)، والاشتراكيون (سوصيالستيم)، والوطنيون (ليئومييم). بيبي يتقاسم معهم الألف والحاء والواو (بشكل محدود لأن عائلة نتنياهو لطالما كانت على علاقة بأمريكا، أين ولدت أم بنيامين الأمريكية، وهكذا حافظوا على درجة معينة من الشتات) واللام. وفي حالة أخيه يوني، فإن الكراهية أعمق بكثير، ثمة رغبة من الأخ الصغير بالانتقام لموت أخيه. إن الذي يدفعه فعلا هو عنف تجاه الكيان الذي بعث بأخيه إلى الحرب—دولة إسرائيل وعلى رأسها رابين وبيريس (اللذان تبنّيا عائلة نتنياهو أكثر من أي أحد في تلك الفترة). ورغم كل ذلك، لدى نتنياهو وجهة نظر: في أعماقه، مثل والده، هو يزدري صهيونية وايزمن وبن جوريون ازدراء حقيقيا.

إن قراءة الكتب التي نشرها تكشف أن صهيونية بيبي هي صهيونية إمبريالية، وبالتالي، في جوهرها، لا تقدس السياسة الواقعية، بل لحظة التاريخ المحترقة، وهي حالة طارئة تتطلب من رجل دولة – من المحارب، من القائد – أن يفهم حجم الموقف وأن يتجرأ. إن نتنياهو معجب بهرتسل ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى أن هرتسل توفي قبل فترة طويلة من توليه منصب السياسي مسؤول. بالنسبة لنتنياهو— دائما ما يفترض أن منظّر الدولة لولا الموت المبكر — لو عاش هرتسل لما انتظر المحرقة ليقيم دولة لليهود. وعلى عكسه، كان نتنياهو يحتقر وايزمن لأنه أضاع فرصة إقامة وطن لليهود فورا بعد وعد بلفور. هذا النوع من الزخم كان وراء مواجهة نتنياهو الوقحة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وهذا ما يقف وراء تصرفاته في الحرب الحالية أيضاً، بل وأكثر من ذلك. لقد أدرك نتنياهو أن الهزيمة التي لا يمكن تصورها لإسرائيل في السابع من أكتوبر كانت بمثابة فرصة لا تتاح إلا مرة واحدة في كل جيل لاتخاذ إجراء. ومن أجل هذا: فهو مستعد للتضحية بحياة المختطفين.

أشار مؤخرا محرر “هآرتس” ألوف بِنْ إلى أن قضية اللاجئين متروكة لنتنياهو ليبت بها، وأنه إذا لم يسمح لسكان غزة بالعودة إلى منازلهم في شمال قطاع غزة، فسوف يكرر التطهير العرقي الكبير الذي حدث عام 1948 تحت قيادة بن جوريون. وفي محادثة أجراها بِنْ مع رَوِيت هيخط وألون بينكس في بودكسات “هآرتس”، طرح الاثنان بثقة فكرة إقامة مستوطنة يهودية في شمال قطاع غزة. في الأيام التي تلت 7 أكتوبر، لا أعرف من أين حصل الاثنان على ثقتهما الكبيرة، لكن أتجرأ أيضًا أنا وأجادل بأنه على الرغم من أن الاستيطان اليهودي سيكون عملاً ذا وقع، إلا أنه لن يكون العمل الذي سيسمح لنتنياهو للقيام بالعمل التاريخي العظيم. سيكون كافياً عدم السماح للاجئين بالعودة.

على الرغم من أن الاستيطان اليهودي سيكون عملاً ذا وقع، إلا أنه لن يكون العمل الذي سيسمح لنتنياهو للقيام بالعمل التاريخي العظيم. سيكون كافياً عدم السماح للاجئين بالعودة.

غزة هي النواة النازفة للقضايا الوطنية الكبرى في القرن العشرين، ما بين “المسألة اليهودية” و”المسألة الفلسطينية”، دائما باللغة الأجنبية وبالأحرف الكبيرة. The Jewish Question رافقت أوروبا منذ عام 1750، وبدا كأنها وصلت إلى حلها بعد قرنين من الزمن مع ظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. تظهر “المسائل” هنا في قاموس إنشاء الدولة القومية الحديثة الأوروبي على أنها “مشكلة”: اليهود مشكلة، والأقليات مشكلة، والفلسطينيون مشكلة، والغزيون مشكلةُ مشكلةِ مشكلةٍ (لاجئو اللاجئين، نفق داخل رفح داخل قطاع داخل غيتو يهودي ضخم وتكنولوجي؛ كما قال إدوارد سعيد: مساكين الفلسطينيون أن جلّاديهم هو ضحايا أيضا). لدى نتنياهو فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر لحل المشكلة. عندما يقول “النصر الكامل” علينا أن نسمع “الحل النهائي”. كان هذا هو الحال منذ بداية صياغته السخيفة مع غالانت بأن الضغط على حماس (على غزة) هو ما سيعيد المختطفين، وهي معادلة شيطانية اشتراها الجمهور الإسرائيلي المصاب دون سؤال. عمليا، يهدف الضغط إلى إحداث تغيير في الواقع، على حساب المختطفين الذين أعطوا الحكومة الإسرائيلية الحجة: هذه المعادلة الصحيحة.

يحاول كثيرون، بحق، فهم ما وراء تحركات رئيس الوزراء، وخاصة ما وراء الشعار الأجوف “النصر الكامل” الذي حل محل أهداف الحرب المعروفة كما صيغت في مجلس الحرب في بداية الحرب. من الصعب جداً الحصول على إشارة إلى مدى «تراجع قدرة حماس العسكرية»، ولم يتحدث أحد منذ فترة طويلة عن «تراجع حكمها». عودد عيلم في “يسرائيل هيوم” من منتصف مارس 2024، يتملق لجيش الدفاع الإسرائيلي على إنجازاته غير المسبوقة في التاريخ العسكري بأكمله، لكنه لا يشير إلى أي رقم: لا بخصوص القضاء على مخربي حماس، ولا كتائبها، ولا الجرحى. عاموس هاريل في “هآرتس” من نفس الفترة يشير بوضوح إلى أن حماس بعيدة عن الاستسلام. وفي مقال له في “جيروزاليم بوست” قبل أيام قليلة، يشير سيث فرانزمان إلى أنه حتى في العملية الثانية في مستشفى “الشفاء”، كان كبار السن. قُتل المخربون الذين لم يكونوا مسؤولين عن هجوم 7 أكتوبر بعد مديات الدمار الكبيرة التي أنزلتها إسرائيل على سكان غزة، فمن المحتمل جدًا أن تراجع حماس لا يهمها على الإطلاق، منذ أسابيع، لم يكن الجيش الإسرائيلي مهتمًا بغزة قطاع، بل ينفذ مداهمات وانسحابات، مداهمات وانسحابات، كما يفعل في الضفة الغربية منذ اتفاقات أوسلو.

في لحظة من خجل وحقيقة، يتحداه بروف. مسعود بإمكانية عدم قبول مصر والدول العربية باستقبال اللاجئين الغزيين مخافة أن إسرائيل لن تسمح لهم بالعودة. يجيب كوشنير: “من الممكن… لكنني غير متأكد أنه تبقى شيء من غزة في الواقع الحالي…”

لمن يريد أن يحصل على بعض المعطيات الحقيقية عن مستقبلنا في إسرائيل-فلسطين يمكنه ذلك عن طريق جاريد كوشنر، الولد اليهودي البريء من نيوجيرسي الذي صار شخصية مركزية في حكم ترامب. في حوار طويل مع بروف. طارق مسعود، الباحث في العلوم السياسية في جامعة هارفارد، كوشنير يشير إلى نفسه على أنه “صغير لا يفهم شيئا في الصراع” ويمكنه بالأساس بيع ابتسامته الحلوة مع غمّازته التي في خدوده مع أبو مازن، نتنياهو، الرجل الأهم في الشرق الأوسط — محمد بن سلمان (المعروف بين الشباب في العالم، خاصة المتحدث باللغة الإنجليزية، باسم MBS). كوشنير هذا مسؤول عن أحد أكثر الحلول إبداعا لمسألة غزة، عندما خطط في “صفقة القرن” لتمدد القطاع إلى داخل النقب. في لحظة عجيبة من خجل وحقيقة، يتحداه بروف. مسعود بإمكانية عدم قبول مصر والدول العربية باستقبال اللاجئين الغزيين مخافة أن إسرائيل لن تسمح لهم بالعودة. كوشنير، الذي أبدى اعجابه بنتنياهو على طول المحادثة، يأخذ وقته ثم يقول الجملة غير المعقولة التالية: “من الممكن… لكنني غير متأكد أنه تبقى شيء من غزة في الواقع الحالي…” ثم يكمل ويفسر أن القطاع هو نتيجة لحرب 1948 ولذا فإنه غير طبيعي في ذاته، وعلى مدى كل المحادثة يتمسك بادعائه المركزي، أن على إسرائيل أن تدعم الآن بحل طويل الأمد الذي من شأنه أن يؤمّن حدودها ولا معاذ الله أن تتنازل إلى حل مبدئي (وواضح للجميع ماذا يقصد: صفقة تبادل أسرى ومسبيين).

كما هو معلوم، كل رجال الاستخبارات في العالم حذروا حكم ترامب من الإعلان الأمريكي بأن القدس عاصمة إسرائيل وبضم الجولان، الأمر الذي يفتخر كوشنير أنه لم يتم. بعماه المتوقع — كما ذكر، كوشنير فخور بأنه رجل أعمال، في مجال العقارات، ليس مؤرخا ولا سياسيا — هو غير قادر أن يستنتج أنه من الممكن أن السابع من أكتوبر هو رد على أفعال الحكم الأمريكي في فترة ولاية حماه شديد السلطة. وقد يكون أن هذا ليس عمى وإنما ببساطة وجهة نظر. عنف حماس وجماعات من الغزيين تجاه الإسرائيليين تهم كوشنير منا يبدو كما يهمه التطهير الاثني الذي تم في الأشهر الأخيرة في شمال القطاع: سيتعلّم التاريخ نسيان هذا وذاك.

لا استخف بالائتلاف الدولي القوي في داخل الولايات المتحدة وخارجها، مرورا بجنوب افريقيا، قطر وبالأساس جماعات من النشطاء الشباب في أنحاء العالم الذين ببساطة لا يملّون من طلب العدل حتى للعرب والمسلمين في العالم. محكمة العدل الدولية في لاهاي هي غيمة جدّيّة التي ستضطر إسرائيل للتعامل معها. المستقبل لهذا الائتلاف (أكان عن طريق الفساد القطري، أم عن طريق السطحية المنسوبة إلى الجيل الجديد الذي لا ينوي التنازل لليهود)، بينما الحاضر، الحاضر المشتعل، التابع لحالة الطوارئ الامبريالية، هو لنتنياهو. له، لوحده.

د. حنه (عمري) بن يهوده هي باحثة في آداب اليهود. كتابها (بمشاركة دوتن هليفي) “غزة: مكان وخيال في الفضاء الإسرائيلي” صدر في الصيف الأخير من إصدارات جاما. في هذه الأيام تعمل على مونوغرافيا عن بنيامين نتنياهو.

רה”מ נתניהו, אשתו שרה, איוונקה טראמפ ובעלה ג’ארד קושנר בטקס העברת שגרירות ארה”ב לירושלים, 14.05.2018. צילום: אבי אוחיון, לע”מ
وسوم: