ردود مؤذية كتصريحات الرجوب!

(مرزوق الحلبي)

في طور بناء هويتنا هنا مقابل هويات أخرى واليهودية ـ الإسرائيلية تحديدا ـ جرى التأكيد على تجانسها التام ووطنيتها ووحدتها. وقد غبن هذا البناء الذي أتى لمقتضيات تاريخية وسياسية مفهومة خصوصيات دينية بالأساس حدّ التنكر للخصوصية كأنها “فعلة مُشينة” أو “عيب كبير”. تأثرت هويتنا أيضا من مدّ عروبي فعل ألأمر ذاته مقابل المستعمِر ـ أكّد على التجانس والهوية الواحدة مقابل الاستعمار واحتلالاته.

في حين عانت الأقليات الدينية والعرقية من اغتراب هويتي ـ أغفلت خصويتها وتبعت الهوية الجامعة التي لم تُنصفها في أحسن الأحوال وقمعتها في أحوال أخرى ـ تمتّع المدّ الإسلامي على تياراته بشرعية تامة. بل رأينا “التيار القومي” والعَلماني يتعايش معها ويُشرعنها ـ وهذا حصل عندنا أيضا. وقد نشأ وضع فيه من المفارقة والظلم حينما مُنع المسيحي من التعاطي مع مسيحيته والدرزي من درزيته فيما انتعش هنا الخطاب الإسلامي وانبسط، وكان في جزئه الأكبر غير وطني بل عنصري ومُقصٍ.

صار لزاماً ترميم مفهوم الهوية وممارستها ليس للوقاية من جبريل رجوب جديد بل لتصحيح هذا المفهوم وإجراء مراجعة شاملة له وتحرير أبناء الأقليات الدينية بيننا من هذه الحساسية المُفرطة وهذا التوتّر الدائم على جبهة الهوية. ما لم تستطعه السلطات الإسرائيلية إلا جزئيا في مجال تفكيكنا استطاعت بعض التيارات الإسلامية أن تفعله بأسلوبها الإقصائي وتحريضها وتصنيفاتها التي لا تقلّ ظلما عن سياسات إسرائيلية أو استعمارية.

فالقضية في نهاية المطاف ليست تصريحات الرجوب المسيئة بل ما كشفته هذه التصريحات من إشكال هويتي. فأنا لا أرى أي تعارض بين منشأي في بيت درزي وقرية درزية وبين انتمائي لمجتمعي العربي وقضاياه منذ وعيت. لأن السؤال هو ليس أي هوية ورثت بل أي هوية تصنع وتُبدع بوعيك وإرادتك؟

أما هذه التصريحات الممجوجة والتلويح بمقولات طائفية لتوكيد الوحدة الوطنية فقد صارت تُؤذي كتصريحات الرجوب نفسها!

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.