عن جنازة بيرس وولادة المثقف العربي الاسرائيلي الجديد

(هنيدة غانم)

نعيش فترة ظهور المثقف “العربي الاسرائيلي” الجديد، وهو نوع مختلف عن سابقيه من مثقفي التكنوقراط العرب اللذين استعانت بهم الدولة في الخمسينيات وحتى نهاية السبعينيات من اجل تمرير سياستها وخطابها وشكلوا فعلياً وكلاء ثانويين لانتاج هيمنة الدولة، منهم معلمون وصحفيون ومحامون وغيرهم. هؤلاء بأغلبتهم قاموا بوظيفتهم مجبرين الى حد بعيد، ودون تماه اخلاقي بالتأكيد .كان شعار مثقفي التكنوقراط “امشي الحيط الحيط وقول يا ربي السترة” تارة، و”الباب اللي بيجيك منو الريح سدو واستريح”، تارة اخرى. ممارستهم اليومية لدورهم كانت خليطاً من الفهلوة والتماشي والتحايل، وبالتأكيد يمكن ان نعزوها في احيان كثيرة الى آليات البقاء.

لكن ما نشهده اليوم هو صعود نوع جديد من المثقفين اللذين ينشط أغلبهم ضمن مؤسسات بحثية وأكاديمية اسرائيلية، ومنهم من يحمل أعلى الالقاب الاكاديمية، ويكتب ويتحدث بالعبرية بطلاقة، ويتماثلون بشكل كبير مع خطاب السيد من خلال تبني لا مفكر فيه لتراتباته الاخلاقية المفترضة وقضاياه الشاغلة واجنداته التي ترى كل شيء الا الاحتلال والاذلال والمحو اليومي للفلسطينيين. هؤلاء، واغلبهم والحمد لله رجال صناديد، يقترضون من السيد لغته حول الاخلاق والانسانية ويعيدون نشرها بوصفها موقفاً راديكالياً ومثالاً يحتذى للتفكير خارج صندوق جماعتهم، ويطرحون انفسهم ممثلي الاخلاق. انظروا مثلاً الى الخطاب الانساني الغاضب الذي تبناه البعض حول عدم مشاركة نواب “المشتركة” في جنازة بيرس. بل راقبوا مثلاً كيف تتحول قضايا المثقف هذا الى مرآة مكررة لقضايا المثقف الاسرائيلي اليساري، يستثار لذات القضايا ويغضب لذات القضايا ويتحدث بلغة الاخلاق ذاتها.
مرة كان المثقف التكنوقراط مغلوباً على أمره ومضطراً لان يكون مثقفاً عربياً اسرائيلياً فهلوياً. لكننا اليوم نشهد ظهور مثقف من نوع جديد يحول الاسرلة الى خيار ايديولوجي تحت مسمى الخيار الاخلاقي. هذا المثقف العربي الاسرائيلي الجديد يؤدلج خياراته ومواقفه التي تتبنى الاندماج في المؤسسة بلغة مفلسفة ويطعمها بمصطلحات نظرية مركبة ويحاول ان يقنعنا اننا ناقصون اخلاقياً ومعاقون ثقافياً اذا لم نتماشى مع تراتبة الاخلاق التي صكها السيد. يرى هذا المثقف الاسرائيلي الجديد ان المواقف التي لا تلقى استحسان الشارع الاسرائيلي هي مواقف متحجرة ودوغماتية ويرى ضرورة التعاطي مع مشاعر المستعمر بايجابية وتفهم واعتبار هذا التفهم برغماتية. لهذا سنجد صوت هذا المثقف يعلو حين يستشيط السيد غضباً على ممارسة ما لابناء شعبه، في محاولة للتبرؤ والتطهر وتمييز الذات عنـ’هم’ الذين، وكما قال المحلل العسكري روني دانيال في القناة الثانية وتعليقا على عدم مشاركة نواب “المشتركة” في جنازة بيرس، قذ “ضيعوا فرصة لاثبات انهم بشر”(!!). من فوهة البندقية حدد روني دانيال الاخلاق التي تبنيتموها!. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.