"مهرجان الشام": مهرجان التطبيع والاستشراق!

يأتي هذا المهرجان في إطار الإحتفالات السنوية والذي يسمى ب”عيد الأعياد” الذي تنظم له بلدية حيفا كل سنة في حي وادي النسناس الفلسطيني، حيث أنها تقوم بتجهيز الحي لمجيء المشتركين ليشاهدونه بحلته الجميلة – المزيّفة – وذلك من اجل تبييض وتغطية سنوات من الإهمال الممؤسس للأحياء العربية

(جول الياس)

لماذا استشراقي؟

“فإذا اعتبرنا القرن الثامن عشر نقطة انطلاق عامة إلى حد بعيد، استطعنا أن نناقش الاستشراق بصفته المؤسسة الجماعية للتعامل مع الشرق، والتعامل معه معناه التحدث عنه واعتماد صورة معينة عنه، ووصفه وتدريسه للطلاب وتسوية الأوضاع فيه والسيطرة عليه. وباختصار بصفة الاستشراق أسلوباً غربياً للهيمنة على الشرق واعادة بناءه والتسلط عليه.” إدوارد سعيد.

بلدية حيفا هي بلدية صهيونية بامتياز، اذ تعتبر الحيفاوي الفلسطيني كائنا غريبا صاحب ثقافة عربية غريبة. هذا الكائن الغريب، غير البشري احيانًا، لا يتمتع بالكرامة، لا يحق له ان يعيش بكرامة في مدينته وحاراته العريقة، بل كل كيانه يصب في خدمة العرق الرفيع المختار من عند الله. يقوم الفلسطيني بالطبخ، بالاعمال الشاقة، يبني بيوتا في حارات السيّد، ويعود في اخر النهار الى بيته الفقير، كي يستعيد طاقاته ليوم غد.
المهرجان الاستشراقي يقوّي سيطرة وإستعلاء السيّد علينا من خلال حفاظه على علاقات القوة بيننا. هو يأتي الينا ليمارس “حقه الطبيعي” في فرض السيطرة بحجة وَلَعه بالمطبخ العربي– الشامي. يشكّل هذا الولع الوجه الأول من عملة الإستشراق، حيث يتجسد وجهه الثاني بتنظيم كيفية الإحتفاء بالثقافة العربية لتصبح أداة ترويج لبروبجاندا التعايش.

 لماذا تطبيعي؟

وفقا للفيلسوف ميشيل فوكو، فإن تطبيع العلاقات هي اداة تُستخدم لفرض اكبر سيطرة اجتماعية من خلال ممارسة أقل قوّة، ويسميها “عمل تأديبي”.

ففي السياق الفلسطيني العام والحيفاوي بشكل خاص، محاولات تطبيع علاقاتنا مع البلدية – أي ان تصبح العلاقة بين السيّد والفقير علاقة طبيعية – تتجلى بعدّة اوجه، أحدها هو التنظيم والمساهمة وحتى الاشتراك في فعاليات ومهرجانات كهذه، هو امر يحافظ على هذه العلاقة ويشدد كونها طبيعية. فاننا بذلك “نحتفل” بثقافتنا تحت مظلة السيّد وما يتيح لنا السيّد خارج السياق الاستعماري، ومع تجاهل القمع الطبقي.

arabic kitchen

 لماذا لا أشارك في “مهرجان الشام”؟

يأتي هذا المهرجان في إطار الإحتفالات السنوية والذي يسمى ب”عيد الأعياد” الذي تنظم له بلدية حيفا كل سنة في حي وادي النسناس الفلسطيني، حيث أنها تقوم بتجهيز الحي لمجيء المشتركين ليشاهدونه بحلته الجميلة – المزيّفة – وذلك من اجل تبييض وتغطية سنوات من الإهمال الممؤسس للأحياء العربية بشكل عام، وحي وادي النسناس بشكل خاص. الإشتراك في مهرجان “الشام” ومهرجانات اخرى هي بمثابة الصمت أمام مساعي البلدية في إبقاء الوضع الحالي على ما هو، وحتى المساهمة في الحفاظ على علاقات القوة بين الطرفين، وبالتالي اتاحة المجال لقيام مشاريع اخرى تأتي على حساب الفقير لمنفعة السيّد.

مشاركة المصالح والجهات العربية والمساهمة في إنجاح مثل هذه المهرجانات بحجة المنفعة الإقتصادية المؤقتة، هي بمثابة غض البصر عن السياق الإجتماعي. بالرغم من ان للمصلحة منفعة إقتصادية مؤقتة، فإن الضرر الإجتماعي الذي يعاني منه الفقير على مدار السنة، هو طويل الامد ويفوق كل منفعة مؤقتة تروّج لها البلدية لشرعنة وتطبيع علاقتها القامعة مع الفقراء.

كإبن لمدينة حيفا ومتضرر من مشاريع البلدية الاستشراقية، سوف أقاطع هذه الفعاليات وأصحاب المصالح المشاركة فيها.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.